Sh@m
02-16-2011, 10:12 AM
اللاءات الثلاثة الجديدة في سورية
بقلم: حمود المحمود (http://www.aliqtisadi.com/pages/writer.aspx?writerid=4)
منشور في العدد (110) من مجلة الإقتصادي (http://www.aliqtisadi.com/pages/Magazine.aspx?magazinid=91)
قبل أيام ظهر أحد المفكرين الكبار في سورية -ومن الأفضل أن أذكر اسمه: الفيلسوف أحمد برقاوي- على شاشة الفضائية السورية، محاطاً بمجموعة من الشباب في جلسة حوارية لتوجيه أفكارهم بمناسبة العام الجديد، وخاصة من الناحية الاقتصادية.
*****
وكان من الأفكار التي أصرّ برقاوي على أن تصل "للشباب السوري والعربي" كما يفضّل أن يقول، ما يلي "لا لتعلّم اللغة الإنكليزية أو أية لغة أجنبية"، "القطاع الخاص يستهدف الربح ولاشيء غيره"، "الاستثمار في بناء فندق لا معنى له، لأنّه لن يشغّل أكثر من 20-25 موظفاً".
هذه بعض الأفكار التي تفرّع عنها الكثير مما يمكن أن تتخيلوه في هذا السياق، كانت على مدار ساعة من الزمن، تتكرر وبإلحاح من هذا الرجل الذي يعتبر أحد الأيقونات التي تبرز أمام الشباب السوري ليل نهار على أنّها أحد نماذج المثل الأعلى.
*****
طبعاً، سيقول الكثيرون وعلى طريقتنا المعتادة في إسكات الرأي الآخر: "من أنت حتى تردّ على هذا المفكرّ الكبير؟"، وسأرد على طريقتي المعتادة: "أنا شاب سوري ممن توجّه إليه هذا الحكي عبر التلفزيون الرسمي، ولا بأس بأن تكون مقالتي هذه بمثابة المداخلة التي كنت سأقولها، فيما لو كنت موجوداً أو فيما لو أتيحت لي فرصة الاتصال على الهواء".
وسأقول لكم بكل صراحة، بأنّ أول ما خطر على بالي لحظة سمعت هذا السيل من الأفكار التي أقل ما يقال عنها إنها (خارج التاريخ)، هو أنني قلت في نفسي "كان الله في عون الذين يخططون للاقتصاد السوري والذين دخلوا العام السادس من اقتصاد السوق، وانتقلوا إلى الخطة الخمسية الحادية عشرة، بعد انقضاء الخطة العاشرة، والتي يفترض أنّ من أهم إنجازاتهم فيها وخلال خمس سنوات ابتدأت بالعام 2005 وانتهت بنهاية العام 2010، أنّهم على الأقل أوصلوا فكرة اقتصاد السوق لقادة الرأي العام والذين يأتي على رأسهم المفكرون والصحفيون وغيرهم".
لكن افتتاح العام 2011 وبداية تطبيق الخطة 11 بتصريحات هذا المفكّر على الشاشة الرسمية الفضائية محاطاً بالشباب الذي تعتمد عليه الخطة في جزء كبير من بنودها، لا تعني أقل من العودة إلى المربع الأوّل.
*****
وسواءً نظرنا إلى تلك الأفكار التي استعرضنا بعضها قبل قليل من وجهة نظر اقتصاد السوق أو من حيث منطق البحت، فإننا ولا شك سنجد أنفسنا حينما نسمع هذه الكلمات، قد خرجنا من التاريخ بكل معنى الكلمة، لأنّك لا يمكن أن تكون في القرن الحادي والعشرين وفي العام 2011 وتقول لا داعي لتعلّم اللغة الأجنبية، حتى ولو استشهدت بتجارب بعض الدول -وعددها محدود جداً- والتي تعتبر الآن أن غلطة عمرها أنّها لم تتعلم لغة أجنبية أخرى.
ولا يمكنك أن تكون في العام 2011، وأنت لازلت تحمل شعارات مفادها، أنّ القطاع الخاص لا يستهدف سوى الربح وأنّه مصاص دماء، في الوقت الذي تسير كل خطط الدولة ومشاريعها المستقبلية على أساس قيادة القطاع الخاص للاقتصاد السوري (ومثله العالمي) بنسبة لا تقل عن 65%.
وفي الوقت الذي أصبح فيه تكرار هذه المقولة التي ولدت في ظروف "خطابية" معروفة، وتعميمها على القطاع الخاص، لا يمكن أن يوصف إلاّ بالأمر المعيب، ونحن نتحدث ليل نهار عن المسؤولية الاجتماعية للشركات والتي أدخلت العمل التنموي إلى اهتمامات القطاع الخاص، بشكل لافت سبق فيه شركات القطاع العام بشكل واضح من هذه الناحية.
*****
وإذا أردنا أن نتناول الفكرة الثالثة التي يدعو فيها برقاوي إلى عدم الاستثمار في الفنادق والسياحة، وبأنّ الفندق لن يشغّل أكثر من عشرين شخصاً، إنما هي فكرة أقل ما يقال فيها بأنّ من يعرف ألف باء الاقتصاد لا يمكن أن يتجرّأ على قولها.
ففي الوقت الذي قررت فيه الحكومة إلزام المصارف أكرّر "إلزام" المصارف، بأن تكون نصف تسهيلاتها الائتمانية (القروض) مقدمة لتمويل مشاريع سياحية، بسبب حاجة البلد للفنادق ورفع نسبة الأسرّة الفندقية التي تؤكّد تقارير رسمية بأنّ نقصها هو أحد أبرز الأسباب لـ"ضرب" السياحة في هذا البلد.. في هذه الأثناء يأتي من يقول العكس.
ثم من قال إنّ الفندق يشغّل بين عشرين إلى ثلاثين عاملاً فقط، ومن قال إنّ الفندق وأهميته الاستثمارية هي فقط في عدد العمال الذين يشغّلهم بشكل مباشر؟
دعني أولاً أذكّر- لأنني في هذا الجواب لا أخترع شيئاً جديداً بل أذكّر به- أنّ الفندق يشغّل عملياً وبشكل مباشر ما لا يقل عن مئة فرصة عمل، إذا كان فندقاً متواضع النجمات، بينما يصل عدد عمال فنادق الخمس نجوم بين 500 و2500 .
كما أنّ الأهمية المباشرة الثانية، هي أنّ الفندق يشغّل وبشكل مستمر المئات من فرص العمل غير المباشرة، من خلال تزوّده بالمؤن والأغذية وجلبه للضيوف والسياح الذين سيشغّلون بدورهم المئات من الباعة والمطاعم والمحلات التجارية الأخرى في البلد.
باختصار، السياحة أيضاً صناعة ويسمونها "صناعة السياحة".
****
3 نتائج واضحة يمكن أن نصل إليها في حال حفظنا درس البرقاوي وتبنيناه، حينما نطبّق هذه اللاءات الثلاث (لا للقطاع الخاص، لا لتعلّم اللغة الأجنبية، لا للسياحة)، النتيجة هي: لن نمنح الفرصة للقطاع الخاص ليقوم بدوره، ولن نتعلم لغة أجنبية، وسيكون العالم في واد ونحن في واد آخر، ولن تقوم لسياحتنا قائمة، وهذه النتائج هي بالضبط أبرز نقاط ضعفنا التي نعيشها الآن على مستوى العالم.
بقلم: حمود المحمود (http://www.aliqtisadi.com/pages/writer.aspx?writerid=4)
منشور في العدد (110) من مجلة الإقتصادي (http://www.aliqtisadi.com/pages/Magazine.aspx?magazinid=91)
قبل أيام ظهر أحد المفكرين الكبار في سورية -ومن الأفضل أن أذكر اسمه: الفيلسوف أحمد برقاوي- على شاشة الفضائية السورية، محاطاً بمجموعة من الشباب في جلسة حوارية لتوجيه أفكارهم بمناسبة العام الجديد، وخاصة من الناحية الاقتصادية.
*****
وكان من الأفكار التي أصرّ برقاوي على أن تصل "للشباب السوري والعربي" كما يفضّل أن يقول، ما يلي "لا لتعلّم اللغة الإنكليزية أو أية لغة أجنبية"، "القطاع الخاص يستهدف الربح ولاشيء غيره"، "الاستثمار في بناء فندق لا معنى له، لأنّه لن يشغّل أكثر من 20-25 موظفاً".
هذه بعض الأفكار التي تفرّع عنها الكثير مما يمكن أن تتخيلوه في هذا السياق، كانت على مدار ساعة من الزمن، تتكرر وبإلحاح من هذا الرجل الذي يعتبر أحد الأيقونات التي تبرز أمام الشباب السوري ليل نهار على أنّها أحد نماذج المثل الأعلى.
*****
طبعاً، سيقول الكثيرون وعلى طريقتنا المعتادة في إسكات الرأي الآخر: "من أنت حتى تردّ على هذا المفكرّ الكبير؟"، وسأرد على طريقتي المعتادة: "أنا شاب سوري ممن توجّه إليه هذا الحكي عبر التلفزيون الرسمي، ولا بأس بأن تكون مقالتي هذه بمثابة المداخلة التي كنت سأقولها، فيما لو كنت موجوداً أو فيما لو أتيحت لي فرصة الاتصال على الهواء".
وسأقول لكم بكل صراحة، بأنّ أول ما خطر على بالي لحظة سمعت هذا السيل من الأفكار التي أقل ما يقال عنها إنها (خارج التاريخ)، هو أنني قلت في نفسي "كان الله في عون الذين يخططون للاقتصاد السوري والذين دخلوا العام السادس من اقتصاد السوق، وانتقلوا إلى الخطة الخمسية الحادية عشرة، بعد انقضاء الخطة العاشرة، والتي يفترض أنّ من أهم إنجازاتهم فيها وخلال خمس سنوات ابتدأت بالعام 2005 وانتهت بنهاية العام 2010، أنّهم على الأقل أوصلوا فكرة اقتصاد السوق لقادة الرأي العام والذين يأتي على رأسهم المفكرون والصحفيون وغيرهم".
لكن افتتاح العام 2011 وبداية تطبيق الخطة 11 بتصريحات هذا المفكّر على الشاشة الرسمية الفضائية محاطاً بالشباب الذي تعتمد عليه الخطة في جزء كبير من بنودها، لا تعني أقل من العودة إلى المربع الأوّل.
*****
وسواءً نظرنا إلى تلك الأفكار التي استعرضنا بعضها قبل قليل من وجهة نظر اقتصاد السوق أو من حيث منطق البحت، فإننا ولا شك سنجد أنفسنا حينما نسمع هذه الكلمات، قد خرجنا من التاريخ بكل معنى الكلمة، لأنّك لا يمكن أن تكون في القرن الحادي والعشرين وفي العام 2011 وتقول لا داعي لتعلّم اللغة الأجنبية، حتى ولو استشهدت بتجارب بعض الدول -وعددها محدود جداً- والتي تعتبر الآن أن غلطة عمرها أنّها لم تتعلم لغة أجنبية أخرى.
ولا يمكنك أن تكون في العام 2011، وأنت لازلت تحمل شعارات مفادها، أنّ القطاع الخاص لا يستهدف سوى الربح وأنّه مصاص دماء، في الوقت الذي تسير كل خطط الدولة ومشاريعها المستقبلية على أساس قيادة القطاع الخاص للاقتصاد السوري (ومثله العالمي) بنسبة لا تقل عن 65%.
وفي الوقت الذي أصبح فيه تكرار هذه المقولة التي ولدت في ظروف "خطابية" معروفة، وتعميمها على القطاع الخاص، لا يمكن أن يوصف إلاّ بالأمر المعيب، ونحن نتحدث ليل نهار عن المسؤولية الاجتماعية للشركات والتي أدخلت العمل التنموي إلى اهتمامات القطاع الخاص، بشكل لافت سبق فيه شركات القطاع العام بشكل واضح من هذه الناحية.
*****
وإذا أردنا أن نتناول الفكرة الثالثة التي يدعو فيها برقاوي إلى عدم الاستثمار في الفنادق والسياحة، وبأنّ الفندق لن يشغّل أكثر من عشرين شخصاً، إنما هي فكرة أقل ما يقال فيها بأنّ من يعرف ألف باء الاقتصاد لا يمكن أن يتجرّأ على قولها.
ففي الوقت الذي قررت فيه الحكومة إلزام المصارف أكرّر "إلزام" المصارف، بأن تكون نصف تسهيلاتها الائتمانية (القروض) مقدمة لتمويل مشاريع سياحية، بسبب حاجة البلد للفنادق ورفع نسبة الأسرّة الفندقية التي تؤكّد تقارير رسمية بأنّ نقصها هو أحد أبرز الأسباب لـ"ضرب" السياحة في هذا البلد.. في هذه الأثناء يأتي من يقول العكس.
ثم من قال إنّ الفندق يشغّل بين عشرين إلى ثلاثين عاملاً فقط، ومن قال إنّ الفندق وأهميته الاستثمارية هي فقط في عدد العمال الذين يشغّلهم بشكل مباشر؟
دعني أولاً أذكّر- لأنني في هذا الجواب لا أخترع شيئاً جديداً بل أذكّر به- أنّ الفندق يشغّل عملياً وبشكل مباشر ما لا يقل عن مئة فرصة عمل، إذا كان فندقاً متواضع النجمات، بينما يصل عدد عمال فنادق الخمس نجوم بين 500 و2500 .
كما أنّ الأهمية المباشرة الثانية، هي أنّ الفندق يشغّل وبشكل مستمر المئات من فرص العمل غير المباشرة، من خلال تزوّده بالمؤن والأغذية وجلبه للضيوف والسياح الذين سيشغّلون بدورهم المئات من الباعة والمطاعم والمحلات التجارية الأخرى في البلد.
باختصار، السياحة أيضاً صناعة ويسمونها "صناعة السياحة".
****
3 نتائج واضحة يمكن أن نصل إليها في حال حفظنا درس البرقاوي وتبنيناه، حينما نطبّق هذه اللاءات الثلاث (لا للقطاع الخاص، لا لتعلّم اللغة الأجنبية، لا للسياحة)، النتيجة هي: لن نمنح الفرصة للقطاع الخاص ليقوم بدوره، ولن نتعلم لغة أجنبية، وسيكون العالم في واد ونحن في واد آخر، ولن تقوم لسياحتنا قائمة، وهذه النتائج هي بالضبط أبرز نقاط ضعفنا التي نعيشها الآن على مستوى العالم.