kinan
03-08-2009, 11:27 PM
كان ومازال امتلاكُ المنزل حلم وطموح كلِّ مواطن؛ لارتباطه بمفهوم الاستقرار الأسري. ومن جانب آخر، نعمة التملك برزت بعد موجة جنون ارتفاع أجور عقود استئجار المنازل، التي أثقلت كاهل مواطني الدخل المحدود والطبقة المتوسطة الراغبين في الزواج والاستقرار. ولم يجدوا خياراً أمامهم إلا قرع أبواب البنوك والمصارف الخاصة والعامة، على مبدأ "قشة النجاة ". لكن هل استطاعت البنوك، سواء الخاصة أم العامة، تحقيقَ أحلامهم وحلَّ مشكلتهم السكنية، أو أنها على العكس تماماً زادت من أعبائهم؟
وفي جانب أكثر حساسية: لماذا المصارف العامة، التي تعي الواقع الاقتصادي للشريحة الأكبر التي باتت اليوم تحتاج إلى منزل، مازالت شروطها فوق مستوى قدرتهم المادية والمعنوية؟ ولماذا حتى تاريخه لم يسمح للقطاع الخاص بأن ينافس القطاع العام في شروط القرض السكني؛ ما أفرغ التعددية المصرفية من قدرتها على خدمة المحتاج فعلا، جراء الشروط والقيود التي فُرضت عليها في موضوع حجم القرض والفوائد المطلوب فرضها عليه؟!.
¶ أين المشكلة؟!.
المشكلة في مبدأ الإقراض والمبالغ الممنوحة؛ فكلنا يعلم أنَّ الغالبية العظمى من مساحة دمشق العقارية والريف القريب منها، إما عقارات مخالفة أو زراعية، وأنَّ نسبة العقارات ببطاقة تملك نظامية تستحوذ على النسبة الأقل، وهي متمركزة في أماكن ومناطق بأسعار ملتهبة، إذ لا يمكن للمقترض، أياً كان، تملّك منزل بالمبالغ التي تقرضها البنوك الخاصة والعامة.
فالمصرف العقاري، الذي يعاني عدم الاستقرار في قرارات وشروط منحه للقرض، نجده تارة يشترط وضع وديعة، وتارة أخرى يعتبرها غير ملزمة لمنح القرض، شريطة أن يدفع المقترض مبلغ 50 ألفاً تحت مسمى عمولة ارتباط، ثم يعاود في فترات لاحقة إعادة طلب شرط وضع وديعة. والمهم هنا أيضاً أنَّ المصرف العقاري حدَّد مبلغ 1.200000 ألف ليرة سقفاً أعلى للقرض السكني، شريطة أن يكون راتب المقترض 12 ألف ليرة سورية. وفي حال كان راتب الموظف المقترض يتجاوز هذا المبلغ إلى الضعف، فإنَّ العقاري لن يمنح قرضاً أعلى من المبلغ المذكور.. إذاً وفق أيّ عملية حسابية، ووفق أيّ خطة مصرفية مالية أو مزاجية يقدّم العقاري خدماته؟ وهل يستطيع الزبون المقترض شراء منزل بسند تملك نظامي بمبلغ 1.200000 ألف ليرة.
وتتَّسع دائرة مشكلة القروض السكنية في المصارف الخاصة، التي يرتفع رقم قرضها الممنوح مع ارتفاع الدخل الشهري للزبون من جهة، وقدرته على دفع 40 % من قيمة سعر المنزل عند شرائه.
فمثلا تمنح البنوك الخاصة مبالغ ما بين 6 - 10 ملايين، والرقم في ازدياد حسب الدخل الشهري كما ذكرنا سابقاً، ومطلوب من الزبون أن يملك مبلغاً يغطي فيه 40 % من قيمة المنزل.. أي على قرض الـ6 ملايين يجب أن يملك المقترض 2.400.000 ألف، ويقوم البنك بتسديد المتبقي من المبلغ، شريطة أن يتجاوز راتب المقترض 50 ألف ليرة وبقسط شهري يبلغ 20.000 ألف ليرة سورية. هذه الأرقام تعني حرمان الشريحة الكبرى من المقترضين، التي هي بحاجة فعلية للسكن؛ ما يعني أن لا حلول مصرفية لمعالجة مشكلة الحاجة إلى مسكن. والسؤال المطروح: لماذا لا يتمّ منح قروض ميسرة بفوائد مخفضة تسدّد على المدى الطويل كما هو معمول فيه عالمياً؟!.
أوليس من المفروض في مجتمع فتي مثل مجتمعنا، باحث عن خطط التنمية الشاملة وتفعيل طبقة الحراك الاجتماعي التي هي الطبقة المنتجة والفاعلة، أن يطلب من هذه البنوك العامة والخاصة، أن تمارس نشاطاً اقتصادياً اجتماعياً تجاه هذه الطبقة المعوَّل عليها دائماً؟.
¶ بعيد المنال..
لم ترحمنا البنوك العامة ولم تترك المجال للبنوك الخاصة لكي ترحمنا. بعض ماقاله لنا أحد موظفي الدخل المحدود، وقد عانى الأمرين ولم يستطع تأمين قرض منزل لاتتجاوز مساحته الـ60م، ولم يكن أمامه إلا التسليف الشعبي؛ يقول: "أنا موظف بمرتب شهري قدره 10200 ل.س، والقرض الذي منحه لي مصرف التسليف قدره 216.912 ألف ل.س وحسمت الفوائد مباشرة ومقدارها 42 ألف ليرة بنسبة 10 %. أيضاً المضحك المبكي، وبطريقة تعبر عن استنزاف ذوي الدخل المحدود، قام المصرف بعد حسم الفائدة المذكورة بحسم مبلغ 240 ل.س تحت مسمى أعمال مكتبية، ثم دفعت مبلغ 3000 ل.س ضرائب لأشياء غير مقبولة، وقد تبقَّى من المبلغ فقط 172 ألفاً و85 ليرة سورية، هي الدفعة الأولى التي كان من المقرر دفعها دفعةً أولى لقسط منزلي. وقد أفرغ محتواها مصرف التسليف الشعبي وحرمني إمكانية الاستفادة منها". كان التسليف الشعبي، المعروف بمصرف ذوي الدخل المحدود، الخيارَ الأخير لمواطن خاطر بـ4529 ل.س من مرتبه شهرياً. ولكن كما بدا، لاعلاقة للمصرف بذوي الدخل المحدود، إلا في التسمية فقط.
ويضيف آخر ممن عانوا ومازالوا يعانون لدى النبش والبحث بين أوراق ودفاتر شروط البنوك الخاصة، أملاً في الحصول على فرصة لن يجدوها في المدى القريب :"تطالعنا اللوحات الطرقية الإعلانية بتباشير البنوك الخاصة. ولكن سرعان ما يصطدم المتعامل مع الشروط والقيود ونسبة الفوائد والقرض الممكن منحه لتتبخر الأحلام".
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا مازال الإقراض من أجل السكن، والذي تمنحه البنوك الخاصة، بعيد المنال عن الشريحة المتوسطة وذوي الدخل المحدود من المواطنين، في حين يصفه البعض بعبارة "لم يلق إقبالا". وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على الشروط الموضوعة من قبل البنوك الخاصة، تصبح الصورة أكثر وضوحاً، حيث تشترط البنوك الخاصة أن يكون راتب صاحب القرض ما بين 30 ألفاً للشخص العازب و35 ألف ليرة سورية للمتزوج، مما يعني أنَّ القرض السكني بعيد المنال عن موظف حكومي لا يتجاوز راتبه الـ15 ألف ليرة سورية، وألا يبعد عن المدينة أكثر من مسافة 2 كم، حسبما أوضح أحدُ العاملين في البنوك الخاصة، ليصل سقف القرض لديهم إلى نحو مليون ليرة، وبنسب فائدة تتراوح بين 9.30 - 11.4 %، تدفع على مدى 15 سنة بمعدل 10000 ل.س شهرياً. فأيُّ تسهيل قدّمت تلك البنوك الخاصة، ما دامت شروطها غير محققة لدى الشريحة الأكبر التي تحتاج هذه القروض؟!.
يقول مروان (مقترض من أحد البنوك الخاصة): "أقدمت على أخذ قرض بقيمة مليون ليرة سورية، والآن أدفع ما يعادل 10000 ليرة شهرياً، وراتبي لا يتجاوز 20000 ليرة؛ ما يعني نصف مرتبي. ولكن ليس باليد حيلة، فلم أكن أملك سوى 500 ألف ليرة سورية، وهي لا تشتري لي منزلاً حتى في أسوأ منطقة سكنية".
بعد كلّ ما تقدّم، بما يبرز صعوبة تعامل ذوي الدخل المحدود مع شروط البنوك الخاصة، يبقى العقاري هو الخيار الأخير والوحيد في بعض الأمور، ولكنه صعب في شروط أخرى؛ فماذا يقول متعاملو العقاري؟!.
سؤال مفتوح ..
طالما أنَّ المصرف العقاري، وغيره من مصارف القطاع العام، لا يستطيع فتح سقف القرض السكني لجهة تواضع الدخل الشهري لأغلبية المقترضين وفق تصريح أنس فيومي، مدير أحد فروع المصرف العقاري، فلماذا لا يسمح للبنوك الخاصة بالخروج من تحت نير قوانين السياسة المصرفية لدينا، والتي تفرض على البنوك الخاصة أن تكون أقل عطاء في نسب الفوائد في حال الإيداع، والأعلى في فرض الفوائد في حال الإقراض. وبعيداً عن المنافسة لماذا لا يترك لهذه البنوك خيار مساعدة المقترض من ذوي الدخل المحدود الذي يعاني اليوم أشد معاناة في موضوع تأمين السكن، علماً بأنَّ الفيومي أشار إلى أنَّ هذا الموضوع له علاقة بسياسة البنوك الخاصة، والأمر يعود إليها، على أنَّ الواقع يقول، إنَّ السياسة المصرفية للبنوك الخاصة والمسموح العمل بها ليست مفتوحة على مصراعيها وإنما تعمل من خلال السياسة المصرفية العامة التي حدَّدت مدى ومساحة عمل هذه البنوك؟!.
العقاري أضمن
يقول أنس فيومي مديرُ أحد فروع المصرف العقاري: "نحن نقدّم القروض بتسهيلات كثيرة، ونتغاضى أحياناً عن وجود كفيل لبعض المقترضين، كأصحاب المهن الحرة والتجار والمحامين، إذ إنَّ دخلهم الشهري بإمكانه أن يغطي القرض"، مضيفاً: "هناك مجموعة من العوامل التي تحدّ من إمكانية منح المقترض مبلغاً أكبر وأهمها حجم الدخل. وبالتالي القرض الممنوح يجب أن يكون متوافقاً مع الدخل الشهري وسعر الفائدة وسقف القرض وأسعار العقارات. هذه جميعها تدخل في كيفية إيجاد الحلول لمشكلة السكن".
بعد كلّ ما تقدّم -وكما تشير الأرقام- يعدُّ القرض السكني العقاري هو الحالة الثابتة شبه الوحيدة الأيسر كشروط وتعامل، مقارنة مع البنوك الخاصة، وتحديداً لمحدودي ومتوسطي الدخل. مثلاً ليس هناك أية شروط على كمية الراتب، فقط الكفلاء يجب أن يكونوا موظفين في القطاع الحكومي، والسقف الأعلى لقرض على الراتب مليون و200 ألف والفائدة 9.5 %، والقسط الشهري حسب المبلغ الممنوح، وقد يصل إلى 12.600 ل.س شهرياً؛ يقول أبو نادر: "المصرف العقاري هو الأضمن من بين المصارف الخاصة التي تسبّب شروطها مزيداً من الضغط. ومع ذلك يبقى القرض طويل المدى وسيلتنا الوحيدة لشراء المنزل". إذاً، وبغض النظر عن المبالغ التي يوظفها العقاري والمرابح التي يحصدها من القروض السكنية، يبقى هو اللاعب الأكثر شعبية في ساحة القروض السكنية. ومؤخراً، دخل لاعب جديد (المصرف التجاري)، بعدما حصد أرباحاً طائلة في تجربة قروض السيارات، ليقدّم دراسته في إمكانية منح القروض السكنية بسقف إقراض مفتوح خلاف المصارف الأخرى، من خلال توظيف 50 مليار ليرة سورية للإقراض السكني خلال السنة الأولى من هذه الخطة. كما أنه سيجعل من المقترض شريكاً في الأرباح المحققة شهرياً من القروض السكنية، وبما يتناسب ومساهمته في مجموع المبالغ المستعملة لهذه الغاية، من خلال وديعة، وبقيمة 30 % من قيمة القرض.
أيضاً لم تكن البنوك الإسلامية في سورية، التي تقوم على مبدأ الشراء والبيع، ملاذاً جيداً للراغبين في الاقتراض. وبعملية حسابية بين مبلغ الشراء والبيع وإذا ما قسّم هذا المبلغ على شكل نسب ربح مئوية نجدها تصل إلى 23 %، ناهيك عن أنَّ القسط الشهري يصل إلى 40000 ليرة سورية، لكن يبقى لهذه البنوك زبائن وعملاء خاصين بها.
من مشكلة إلى أكبر
يقول الاقتصادي والأستاذ الجامعي هيثم ناصر: "نعلم أنَّ خيارات المواطن في اختيار مكان سكنه محدودة، لجهة أنَّ الغالبية العظمى من ضواحي ومدن دمشق، إما مناطق مخالفات وإما عقارات زراعية، أو جمعيات سكنية لايمكن الاقتراض عليها. وهذه الصفات العقارية لاتمنح عليها البنوك الخاصة والعامة أية قروض لعدم ثبات ملكيتها بموجب سندات تمليك عقارية نظامية، إذا بقي خيار المواطن عقارات في مناطق محدَّدة من دمشق، وبالتالي أسعار هذه العقارات مرتفعة الثمن ولا يتوازى حجم القرض الممنوح، أياً كان عاماً أم خاصاً، مع سعر العقار، ما يعني أنَّ كل العروض المطروحة على الساحة بعيدة المنال ولا تناسب بأي حال من الأحوال إمكانات الشريحة التي باتت اليوم بحاجة فعلية إلى المسكن.
ما هي الحلول المطروحة اليوم؟ أعتقد لا حلول جوهرية وفق الآلية والشروط المعمول بها، حتى لو تمَّ منح المقترض كامل ثمن العقار المقرَّر، فإنِّ حجم الفوائد والضرائب التي تفرض اليوم على المقترض تخرجه من مشكلة باتجاه مشكلة أكبر قد يعجز عن حلِّها لاحقاً، وبالتالي ما لم يوجد حلول مصرفية لقروض ميسَّرة في الفوائد والضرائب- لا في الأوراق وإجراءات المعاملة وحسب- فإنَّ العملية بكليتها تعدُّ حلاً جزئياً لإخراج المقترض من دائرة حاجة إلى حاجة أكبر. وطبعاً هذه العملية لن تضطلع بها البنوك الخاصة، إنما تتطلَّب هذه العملية، التي تعدُّ تنموية بامتياز، خطة عمل واستراتيجية وطنية، بحيث تخصِّص موازنات إقراض بفوائد رمزية بما يخدم العملية التنموية ويحقِّق الاستقرار الاجتماعي والأسري وحتى المهني".
بلدنا
وفي جانب أكثر حساسية: لماذا المصارف العامة، التي تعي الواقع الاقتصادي للشريحة الأكبر التي باتت اليوم تحتاج إلى منزل، مازالت شروطها فوق مستوى قدرتهم المادية والمعنوية؟ ولماذا حتى تاريخه لم يسمح للقطاع الخاص بأن ينافس القطاع العام في شروط القرض السكني؛ ما أفرغ التعددية المصرفية من قدرتها على خدمة المحتاج فعلا، جراء الشروط والقيود التي فُرضت عليها في موضوع حجم القرض والفوائد المطلوب فرضها عليه؟!.
¶ أين المشكلة؟!.
المشكلة في مبدأ الإقراض والمبالغ الممنوحة؛ فكلنا يعلم أنَّ الغالبية العظمى من مساحة دمشق العقارية والريف القريب منها، إما عقارات مخالفة أو زراعية، وأنَّ نسبة العقارات ببطاقة تملك نظامية تستحوذ على النسبة الأقل، وهي متمركزة في أماكن ومناطق بأسعار ملتهبة، إذ لا يمكن للمقترض، أياً كان، تملّك منزل بالمبالغ التي تقرضها البنوك الخاصة والعامة.
فالمصرف العقاري، الذي يعاني عدم الاستقرار في قرارات وشروط منحه للقرض، نجده تارة يشترط وضع وديعة، وتارة أخرى يعتبرها غير ملزمة لمنح القرض، شريطة أن يدفع المقترض مبلغ 50 ألفاً تحت مسمى عمولة ارتباط، ثم يعاود في فترات لاحقة إعادة طلب شرط وضع وديعة. والمهم هنا أيضاً أنَّ المصرف العقاري حدَّد مبلغ 1.200000 ألف ليرة سقفاً أعلى للقرض السكني، شريطة أن يكون راتب المقترض 12 ألف ليرة سورية. وفي حال كان راتب الموظف المقترض يتجاوز هذا المبلغ إلى الضعف، فإنَّ العقاري لن يمنح قرضاً أعلى من المبلغ المذكور.. إذاً وفق أيّ عملية حسابية، ووفق أيّ خطة مصرفية مالية أو مزاجية يقدّم العقاري خدماته؟ وهل يستطيع الزبون المقترض شراء منزل بسند تملك نظامي بمبلغ 1.200000 ألف ليرة.
وتتَّسع دائرة مشكلة القروض السكنية في المصارف الخاصة، التي يرتفع رقم قرضها الممنوح مع ارتفاع الدخل الشهري للزبون من جهة، وقدرته على دفع 40 % من قيمة سعر المنزل عند شرائه.
فمثلا تمنح البنوك الخاصة مبالغ ما بين 6 - 10 ملايين، والرقم في ازدياد حسب الدخل الشهري كما ذكرنا سابقاً، ومطلوب من الزبون أن يملك مبلغاً يغطي فيه 40 % من قيمة المنزل.. أي على قرض الـ6 ملايين يجب أن يملك المقترض 2.400.000 ألف، ويقوم البنك بتسديد المتبقي من المبلغ، شريطة أن يتجاوز راتب المقترض 50 ألف ليرة وبقسط شهري يبلغ 20.000 ألف ليرة سورية. هذه الأرقام تعني حرمان الشريحة الكبرى من المقترضين، التي هي بحاجة فعلية للسكن؛ ما يعني أن لا حلول مصرفية لمعالجة مشكلة الحاجة إلى مسكن. والسؤال المطروح: لماذا لا يتمّ منح قروض ميسرة بفوائد مخفضة تسدّد على المدى الطويل كما هو معمول فيه عالمياً؟!.
أوليس من المفروض في مجتمع فتي مثل مجتمعنا، باحث عن خطط التنمية الشاملة وتفعيل طبقة الحراك الاجتماعي التي هي الطبقة المنتجة والفاعلة، أن يطلب من هذه البنوك العامة والخاصة، أن تمارس نشاطاً اقتصادياً اجتماعياً تجاه هذه الطبقة المعوَّل عليها دائماً؟.
¶ بعيد المنال..
لم ترحمنا البنوك العامة ولم تترك المجال للبنوك الخاصة لكي ترحمنا. بعض ماقاله لنا أحد موظفي الدخل المحدود، وقد عانى الأمرين ولم يستطع تأمين قرض منزل لاتتجاوز مساحته الـ60م، ولم يكن أمامه إلا التسليف الشعبي؛ يقول: "أنا موظف بمرتب شهري قدره 10200 ل.س، والقرض الذي منحه لي مصرف التسليف قدره 216.912 ألف ل.س وحسمت الفوائد مباشرة ومقدارها 42 ألف ليرة بنسبة 10 %. أيضاً المضحك المبكي، وبطريقة تعبر عن استنزاف ذوي الدخل المحدود، قام المصرف بعد حسم الفائدة المذكورة بحسم مبلغ 240 ل.س تحت مسمى أعمال مكتبية، ثم دفعت مبلغ 3000 ل.س ضرائب لأشياء غير مقبولة، وقد تبقَّى من المبلغ فقط 172 ألفاً و85 ليرة سورية، هي الدفعة الأولى التي كان من المقرر دفعها دفعةً أولى لقسط منزلي. وقد أفرغ محتواها مصرف التسليف الشعبي وحرمني إمكانية الاستفادة منها". كان التسليف الشعبي، المعروف بمصرف ذوي الدخل المحدود، الخيارَ الأخير لمواطن خاطر بـ4529 ل.س من مرتبه شهرياً. ولكن كما بدا، لاعلاقة للمصرف بذوي الدخل المحدود، إلا في التسمية فقط.
ويضيف آخر ممن عانوا ومازالوا يعانون لدى النبش والبحث بين أوراق ودفاتر شروط البنوك الخاصة، أملاً في الحصول على فرصة لن يجدوها في المدى القريب :"تطالعنا اللوحات الطرقية الإعلانية بتباشير البنوك الخاصة. ولكن سرعان ما يصطدم المتعامل مع الشروط والقيود ونسبة الفوائد والقرض الممكن منحه لتتبخر الأحلام".
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا مازال الإقراض من أجل السكن، والذي تمنحه البنوك الخاصة، بعيد المنال عن الشريحة المتوسطة وذوي الدخل المحدود من المواطنين، في حين يصفه البعض بعبارة "لم يلق إقبالا". وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على الشروط الموضوعة من قبل البنوك الخاصة، تصبح الصورة أكثر وضوحاً، حيث تشترط البنوك الخاصة أن يكون راتب صاحب القرض ما بين 30 ألفاً للشخص العازب و35 ألف ليرة سورية للمتزوج، مما يعني أنَّ القرض السكني بعيد المنال عن موظف حكومي لا يتجاوز راتبه الـ15 ألف ليرة سورية، وألا يبعد عن المدينة أكثر من مسافة 2 كم، حسبما أوضح أحدُ العاملين في البنوك الخاصة، ليصل سقف القرض لديهم إلى نحو مليون ليرة، وبنسب فائدة تتراوح بين 9.30 - 11.4 %، تدفع على مدى 15 سنة بمعدل 10000 ل.س شهرياً. فأيُّ تسهيل قدّمت تلك البنوك الخاصة، ما دامت شروطها غير محققة لدى الشريحة الأكبر التي تحتاج هذه القروض؟!.
يقول مروان (مقترض من أحد البنوك الخاصة): "أقدمت على أخذ قرض بقيمة مليون ليرة سورية، والآن أدفع ما يعادل 10000 ليرة شهرياً، وراتبي لا يتجاوز 20000 ليرة؛ ما يعني نصف مرتبي. ولكن ليس باليد حيلة، فلم أكن أملك سوى 500 ألف ليرة سورية، وهي لا تشتري لي منزلاً حتى في أسوأ منطقة سكنية".
بعد كلّ ما تقدّم، بما يبرز صعوبة تعامل ذوي الدخل المحدود مع شروط البنوك الخاصة، يبقى العقاري هو الخيار الأخير والوحيد في بعض الأمور، ولكنه صعب في شروط أخرى؛ فماذا يقول متعاملو العقاري؟!.
سؤال مفتوح ..
طالما أنَّ المصرف العقاري، وغيره من مصارف القطاع العام، لا يستطيع فتح سقف القرض السكني لجهة تواضع الدخل الشهري لأغلبية المقترضين وفق تصريح أنس فيومي، مدير أحد فروع المصرف العقاري، فلماذا لا يسمح للبنوك الخاصة بالخروج من تحت نير قوانين السياسة المصرفية لدينا، والتي تفرض على البنوك الخاصة أن تكون أقل عطاء في نسب الفوائد في حال الإيداع، والأعلى في فرض الفوائد في حال الإقراض. وبعيداً عن المنافسة لماذا لا يترك لهذه البنوك خيار مساعدة المقترض من ذوي الدخل المحدود الذي يعاني اليوم أشد معاناة في موضوع تأمين السكن، علماً بأنَّ الفيومي أشار إلى أنَّ هذا الموضوع له علاقة بسياسة البنوك الخاصة، والأمر يعود إليها، على أنَّ الواقع يقول، إنَّ السياسة المصرفية للبنوك الخاصة والمسموح العمل بها ليست مفتوحة على مصراعيها وإنما تعمل من خلال السياسة المصرفية العامة التي حدَّدت مدى ومساحة عمل هذه البنوك؟!.
العقاري أضمن
يقول أنس فيومي مديرُ أحد فروع المصرف العقاري: "نحن نقدّم القروض بتسهيلات كثيرة، ونتغاضى أحياناً عن وجود كفيل لبعض المقترضين، كأصحاب المهن الحرة والتجار والمحامين، إذ إنَّ دخلهم الشهري بإمكانه أن يغطي القرض"، مضيفاً: "هناك مجموعة من العوامل التي تحدّ من إمكانية منح المقترض مبلغاً أكبر وأهمها حجم الدخل. وبالتالي القرض الممنوح يجب أن يكون متوافقاً مع الدخل الشهري وسعر الفائدة وسقف القرض وأسعار العقارات. هذه جميعها تدخل في كيفية إيجاد الحلول لمشكلة السكن".
بعد كلّ ما تقدّم -وكما تشير الأرقام- يعدُّ القرض السكني العقاري هو الحالة الثابتة شبه الوحيدة الأيسر كشروط وتعامل، مقارنة مع البنوك الخاصة، وتحديداً لمحدودي ومتوسطي الدخل. مثلاً ليس هناك أية شروط على كمية الراتب، فقط الكفلاء يجب أن يكونوا موظفين في القطاع الحكومي، والسقف الأعلى لقرض على الراتب مليون و200 ألف والفائدة 9.5 %، والقسط الشهري حسب المبلغ الممنوح، وقد يصل إلى 12.600 ل.س شهرياً؛ يقول أبو نادر: "المصرف العقاري هو الأضمن من بين المصارف الخاصة التي تسبّب شروطها مزيداً من الضغط. ومع ذلك يبقى القرض طويل المدى وسيلتنا الوحيدة لشراء المنزل". إذاً، وبغض النظر عن المبالغ التي يوظفها العقاري والمرابح التي يحصدها من القروض السكنية، يبقى هو اللاعب الأكثر شعبية في ساحة القروض السكنية. ومؤخراً، دخل لاعب جديد (المصرف التجاري)، بعدما حصد أرباحاً طائلة في تجربة قروض السيارات، ليقدّم دراسته في إمكانية منح القروض السكنية بسقف إقراض مفتوح خلاف المصارف الأخرى، من خلال توظيف 50 مليار ليرة سورية للإقراض السكني خلال السنة الأولى من هذه الخطة. كما أنه سيجعل من المقترض شريكاً في الأرباح المحققة شهرياً من القروض السكنية، وبما يتناسب ومساهمته في مجموع المبالغ المستعملة لهذه الغاية، من خلال وديعة، وبقيمة 30 % من قيمة القرض.
أيضاً لم تكن البنوك الإسلامية في سورية، التي تقوم على مبدأ الشراء والبيع، ملاذاً جيداً للراغبين في الاقتراض. وبعملية حسابية بين مبلغ الشراء والبيع وإذا ما قسّم هذا المبلغ على شكل نسب ربح مئوية نجدها تصل إلى 23 %، ناهيك عن أنَّ القسط الشهري يصل إلى 40000 ليرة سورية، لكن يبقى لهذه البنوك زبائن وعملاء خاصين بها.
من مشكلة إلى أكبر
يقول الاقتصادي والأستاذ الجامعي هيثم ناصر: "نعلم أنَّ خيارات المواطن في اختيار مكان سكنه محدودة، لجهة أنَّ الغالبية العظمى من ضواحي ومدن دمشق، إما مناطق مخالفات وإما عقارات زراعية، أو جمعيات سكنية لايمكن الاقتراض عليها. وهذه الصفات العقارية لاتمنح عليها البنوك الخاصة والعامة أية قروض لعدم ثبات ملكيتها بموجب سندات تمليك عقارية نظامية، إذا بقي خيار المواطن عقارات في مناطق محدَّدة من دمشق، وبالتالي أسعار هذه العقارات مرتفعة الثمن ولا يتوازى حجم القرض الممنوح، أياً كان عاماً أم خاصاً، مع سعر العقار، ما يعني أنَّ كل العروض المطروحة على الساحة بعيدة المنال ولا تناسب بأي حال من الأحوال إمكانات الشريحة التي باتت اليوم بحاجة فعلية إلى المسكن.
ما هي الحلول المطروحة اليوم؟ أعتقد لا حلول جوهرية وفق الآلية والشروط المعمول بها، حتى لو تمَّ منح المقترض كامل ثمن العقار المقرَّر، فإنِّ حجم الفوائد والضرائب التي تفرض اليوم على المقترض تخرجه من مشكلة باتجاه مشكلة أكبر قد يعجز عن حلِّها لاحقاً، وبالتالي ما لم يوجد حلول مصرفية لقروض ميسَّرة في الفوائد والضرائب- لا في الأوراق وإجراءات المعاملة وحسب- فإنَّ العملية بكليتها تعدُّ حلاً جزئياً لإخراج المقترض من دائرة حاجة إلى حاجة أكبر. وطبعاً هذه العملية لن تضطلع بها البنوك الخاصة، إنما تتطلَّب هذه العملية، التي تعدُّ تنموية بامتياز، خطة عمل واستراتيجية وطنية، بحيث تخصِّص موازنات إقراض بفوائد رمزية بما يخدم العملية التنموية ويحقِّق الاستقرار الاجتماعي والأسري وحتى المهني".
بلدنا