المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من مذكرات مواطن .. مجنون ... و ( غليظ ) ... بقلم : خير الدين مفتى



kinan
11-19-2009, 12:16 PM
عليك مخالفتان يا أستااااذ ...... ( ينظر إلى رخصة القيادة ) .. خير الدين . أولاً أنوار عالية ... .. ثانياً .. أنت قطعت الإشارة .

( رغم معرفتي بأنني فعلاً ارتكبت مخالفة بالأولى وأنني نسيت إطفاء أنوار الضباب بعد دخولي إلى المدينة وكان يجب علي إطفاؤها .. إلا أن المخالفة الثانية .. استفزتني لعلمي بأني لم ولن أقطع أي إشارة ضوئية .... والقضية أصبحت معروفة .. فمع لوائح المخالفات الجديدة أصبح قطع الإشارة .... كارثة ... أو التمس لك طريقة أخرى بلا كوارث !!)
- ها ... هل أكتب المخالفتين ؟
- اكتب المخالفتين والأمر لله ...
( ينظر إلي بكل ملامح الدهشة التي خلقها الله ) .
- حسناً .. لأنك متعاون و مهذب .. سأكتب مخالفة واحدة فقط ... مخالفة استخدام ( أنوار ساطعة ) .
- كما تشاء .
- من أين أنت ؟
- من اللاذقية .
- من أين من اللاذقية . ( من لهجته عرفت أنه من اللاذقية وربما أراد أن يتأكد من أنني لست قريباً له ) .
- من .. كذا .
- وستعود إلى اللاذقية اليوم .
- نعم
- هل تستطيع الرجوع بدون أوراقك .. لأنني يجب أن أحجز الأوراق حتى تدفع المخالفة . ( آه .. وسيلة تهديد رقم 2 )
- لا مشكلة يمكنني إبراز ورقة المخالفة في حال إيقافي من أحد زملائك . ( انتهت وسيلة التهديد رقم 2 ) .
- ( بعد تفكير طويل ومحاولة كتابة وشخبطة وووو .. ) لا أدري ما العمل معك ؟ ... لكن بما أنك مسالم جداً ... خذ الأوراق ... الله معك .
( انتهت القصة )

لم تكن أول مرة يحصل هذا معي .. أوقفني شرطي المرور قبل ذلك مرتين أو ثلاثة .. وكان تصرفي واحداً في كل الحالات والنتيجة واحدة أيضاً ، تفكير طويل ... ثم .... الله معك ولا تخالف مرة أخرى ( و إن كنت لا أدري ما هي المخالفة ) .
أضع حزام الأمان دائماً - لا بقوة القانون بل بقوة الاقتناع - وكذلك زوجتي .
في الخلف أضع ( لؤي ) و ( ليان ) في مقاعد مخصصة لحماية الأطفال ، طفاية الحريق ، مثلث التنبيه ، إلخ .. كل هذا موجود في سيارتي الصغيرة ( وليست من نوع مرسيدس ) لكن كل هذا لا يبدو كافياً .

يا سادة ... لست قديساً ولا من أولياء الله الصالحين ، أسرع أحياناً في الطريق ( مع انتباهي التام لذلك ولمخالفتي الصريحة للقانون و ها أنا ذا أقر بذلك ) ، ولا بد من أن الرادار التقط لي بعض الصور ( المكلفة ) ، ولا أشك للحظة واحدة أنني استخدمت وسأستخدم في بعض الأحيان ( الإكرامية ) مع التركيز على كلمة ( إكرامية ) لدواعي قانونية وفي ظروف قد تخجلني لضعفي أمام الواقع لا لضعفي أمام الضمير ، لكن وفي كل الأحوال ، لم ولن أستسهل الأمر ، وأفكر ولتشاركوني الفكرة : لماذا نستسهل الخطأ ؟؟؟.

الكارثة الكبرى ليست في المخالفة ولا شرطي المرور ولا مندوب البلدية والصحة والتموين ووووووو ... الكارثة أنني عندما أحدث الآخرين بما فعلت ومحاولتي أن لا أستسهل ( الإكرامية ) ، الكارثة أن الجميع يتهمونني باثنتين ، الجنون .. أو ... ( الغلاظة ) .
- يعني لو دفَّعك الشرطي عشرة آلاف ليرة مخالفة ، كنت ستكون سعيداً ؟
- لو خالفت فعلاً وقطعت الإشارة ، كنت سأدفع ، ولا مانع من حجز السيارة .. وحجزي أنا .
- كل هذا كي لا تدفع مائة ليرة للشرطي ( المسكين ) . . يعني (( المسكين )) كيف سيعيش براتبه فقط ؟

نبرر ونبرر الخطأ ، ثم نسبه ونلعن المخطئين ، وندور في نفس الدوامة .

أحب هذا الوطن حباً استثنائياً لا يماثلني فيه سوى خمسة وعشرون مليون مواطن يعيشون فيه .. ( أو خارجه .. ويبقيهم الأمل بالرجوع إليه ) ، وأنا واحد من هؤلاء الذين يملؤهم الفخر عندما يسمعون النشيد الوطني أو يرون العلم ، لأنه ( أبت أن تذِلَّ النفوس الكرام )
أنا سوري يا سادة حتى الثمالة ،بل حتى الموت أيضاً ، هكذا كان والدي وجدي ، وهكذا سيكون أبنائي وأحفادي .

( أسأل نفسي إذا ما كان الحديث عن الوطنية موروثاً عن مواضيع التعبير عندما كنا بالابتدائية .. وأجيب عني وعنكم : لا ، إنه الشعور الذي أعرفه وتعرفونه جميعاً ، بأن تكون سورياً ) .

شرطي المرور ومندوب البلدية والمالية والصحة والتموين و و و .. وكل دوائر الدولة وأقسامها هم سوريون أيضاً ، و بكل تأكيد وطنيون حتى العظم ، من بين من سيقرؤون هذا المقال .. هناك مندوب البلدية والمالية والشرطة و و و .... وهم مثلي ومثلكم أو لنقل هم نحن .
ليسوا قديسين ولا أولياء صالحين ، والغريب العجيب ، أن مندوب البلدية الذي يقرأ مقالي عن ( الإكرامية ) ربما دفع بالأمس (( إكرامية )) لشرطي المرور الذي دفع ((( الإكرامية))) للسيد مندوب المالية الذي دفع في اليوم الذي سبقه (((( إكرامية )))) لنفس السيد مندوب البلدية لتجنب مخالفة دكانه الذي يعمل فيه بعد الدوام . ( أف .. أصابني الدوار من هذه الدوامة )

يا جماعة .. يا أيها السوريون حتى الثمالة ، اعتبروني ( مجنوناً ) أو ( غليظاً ) .. لكن في النهاية ما أظنه بل ما أنا موقن به ، أن الوطن لا يصنع نفسه بل يصنعه مواطنوه .
السيد مندوب البلدية ، أقصد المالية ، أعني التموين ، عفواً قصدت شرطي المرور : ادفع المخالفة .. أو ببساطة يمكنك أن توفر المال .. بعدم المخالفة .
قبل أن تسأل عن طعام أولادك ( وبعلمي أنه لم يمت أحد في بلدنا من الجوع ) . قبل أن تسأل عن ثمن فاتورة ( الجوال ) الذي نتبرم جميعاً من كثرة الحديث ( الفارغ ) الذي نتحدث من خلاله .

قبل أن .. وقبل أن ... وقبل أن .. ما الوطن الذي تريده لأبنائك وأحفادك ؟
والوطن يصنعه مواطنوه .

مواطن سوري ( حتى الثمالة )

وصلتني على الاميل ولكن بعد البحث عن المصدر هو سيريانيوز