PURE SOUL
04-29-2008, 10:53 PM
لا يمكن أن تعبر أزمة الغذاء العالمي، من دون أن تتمكّن الدول العظمى، من وضع حدٍّ لها، أو على الأقل أن تكسر حدّتها وتخفف وطأة ارتفاع أسعار الغذاء على الفقراء، وتمكّن الجياع من الحصول على قوتٍ. فالهيئات العالمية المعنية، تتوسّل الدول الأعضاء فيها، والقادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، تركيزَ جهودها لإيجاد حلولٍ لهذه الأزمة المستعرة منذ عام تقريبًا، تضاعفت خلاله أسعار منتجات زراعية أساسية، ولم يعد في قدرة متوسطي الدخل أن يؤمّنوا احتياجاتهم الضرورية. كما حذّرَ البنك الدولي وصندوق النقد، من ضياع جهود المنظمات الإنسانية، الساعية إلى خفض معدلات الفقر وتقليص عدد الجياع، ومن احتمال أن تؤدي الأزمة إلى ارتفاع عدد الأطفال الذين يعانون من سوء تغذية من نحو 800 مليون إلى مليار.
وتطرح الأزمة الوسائل الممكنة لتوفير الغذاء. فنجاح الإنتاج الزراعي يرتبط بعوامل عدّة، لعلّ أهمها ملاءمة الظروف المناخية، وهذه بدّلت اتجاهاتها وصارت خاضعة لعوامل انبعاثات غازات الدفيئة، التي تسبّبت باضطراباتٍ مناخية متطرفة لناحية غزارة الأمطار أو لناحية احتباسها، فتحوّلت الهطولات إلى فيضانات وفصول الاحتباس إلى قيظٍ شديد، وفي الحالين لا يتلاءم المناخ مع الزراعات المعتمدة حالياً. يُضاف إلى هذه العوامل، استخدام التقنيات الزراعية القادرة على توفير الحجم الكافي من المحاصيل، وفي مقدمها الحبوب الأساسية.
وقدّرت المنظمات العالمية بـ 2.7 % سنوياً، معدّل النمو الزراعي الضروري للتغلب على الفقر، ويساعد في تنفيذ برنامج الألفية الثالثة للحد من عدد الجياع، آخذةً في الاعتبار النمو السكاني العالمي. وفات المنظمات احتمال تردي الإنتاج الزراعي، أو تحسّن الطلب على الغذاء، تلازماً مع الفورة الاقتصادية التي شهدتها الدول الناشئة، ما أخل في موازين العرض والطلب، أو موازين الإنتاج الزراعي، واستهلاكه.
إبّان الأزمات الزراعية في القرن العشرين، واجه المجتمع الدولي معضلة توفير الغذاء، سيّما بعد حربين عالميتين، تسببتا بإهمال الأراضي، وإتلاف بعضها أو تحويلها مواقع للمعارك والاحتلال العسكري. وكان أن استخدمت الأسمدة الكيماوية بدل الأسمدة العضوية، بهدف تحسين خصوبة التربة وتاليًا زيادة إنتاجية المساحات المزروعة. غير أن تكثيف استخدام هذه الأسمدة، وإنتاج أنواعٍ غير مطابقة لمعايير السلامة العامة، أدى إلى إنتاجٍ زراعي مخالف لأبسط قواعد الغذاء السليم، لا سيّما أنّه تلازم مع إنتاج مخصّباتٍ واستعمال هرموناتٍ حيوانية لإنتاج نباتي.
واستكملت الثورة الزراعية الجديدة، بتكثيف الأبحاث، واستنباط أنواع جديدة من الشتول والأغراس والبذار، تتلاءم مع المناخات والتربة الخاصّة بالأقاليم في مناطق العالم، ويندر أن يخلو بلدٌ من مركز أبحاثٍ زراعية، يهدف إلى توفير إنتاجٍ أكبر ونوعية أفضل، وتخفيف أعباء الإنتاج. واستفادت الزراعة من الثورة الصناعية وتقدمها عبر الزمن، في انعطافاتٍ تاريخية، حتى أنها استعانت بالنظم المعلوماتية في الزرع والإنتاج، بعدما استخدمت في المكننة في مجالات عدة. وبلغت استفادتها من العلوم الصناعية والهندسية والطبية حد اللجوء إلى التكنولوجيا الإحيائية، مستفيدةً من علم الجينات، لتحدث تحويلاً جينيًا في بذور أكثر الزراعات الأساسية للغذاء. فنشأت زراعة البذور المعدّلة جينياً، والتي تسببت بمواقف خلافية بين دول العالم، فأنكرتَ مؤسسات بحوث علمية جدواها الاقتصادية، وعابت أخرى عليها ادعاءها أنها تزيد الإنتاج أو تقلّص الأعباء.
ويزرع العالم اليوم نحو 115 مليون هكتار زراعات معدّلة جينياً، تشكل نحو 7.7 % من إجمالي المساحات المزروعة في العالم وتبلغ 1.5 مليار هكتار. وتتركز هذه الزراعات على الحبوب والقطن، في مقدمها الذرة، الرز، الكولزا، الصويا، الكانول، القطن، البطاطا والبندورة. وعدلت أغراس أشجارٍ جينياً أيضاً مثل الصفصاف. ويعمل في هذه الزراعة 12 مليون منتج، في 23 بلداً، منها 12 بلداً متقدماً و11 بلداً نامياً، ويوجد 90 % من المنتجين في الدول النامية وتشمل بلداناً ناشئة، في حين أن 97 % من المساحات المزروعة موجودة في الدول المتقدمة، ما يشير إلى خلل في الاستفادة من هذه الزراعة، بين البلدان الصناعية المتقدمة والبلدان النامية والناشئة، التي لم تعرف أن تستفيد من الزراعة المعدّلة جينياً كما يرَوَّجُ لها.
وبالقياس الاقتصادي، قدّرت قيمة هذه الزراعة بـ 6.9 مليار دولار في 2007، تشكل 16 % من السوق العالمية لحماية الزراعات البالغة 42.1 مليار دولار، و20 % من سوق البذار وقيمته 34 ملياراً. ويشكل نصيب الدول الصناعية منها 5.2 مليار والدول النامية 1.6 مليار. ويقدّر الموسم لهذه السنة بـ 7.5 مليار دولار. وتتوزّع المساحات (بالنسب المئوية)، الولايات المتحدة 51، الأرجنتين 17، البرازيل 13، كندا 6، الهند 5، الصين2 وباراغواي 2، ما يجمع 89 % في القارة الأميركية. وتستخدم 8 بلدان من 27 عضواً في الاتحاد الأوروبي 100 ألف هكتار فقط في الزراعة المعدّلة جينيًا.
يُصاحب الدعوة إلى اعتماد الزراعات المعدّلة جينياً، ترويجٌ إلى أن إنتاجية المساحة للزراعات المعدّلة جينياً، هي أعلى من إنتاجيتها للبذار غير المعدّل، وأن الأعباء المرتفعة لشراء البذار المعدّل، تقابلها مقاومته للأعشاب الضارة وللحشرات، فيُستغني عن المبيدات، وأن الإنتاج الزراعي المعدّل، سليم كما تروّج له منظمة الغذاء والصحة الأميركية.
لكن شركة وحيدة، هي شركة «مونسانتو» الأميركية، تحتكر بين 70و 100 % من أنواع البذار المعدّل جينياً، وتستطيع الولايات المتحدة، من خلالها، أن تتحكم في الزراعات العالمية وإنتاجها. فالشركة حصلت على براءات لكل نوعٍ من أنواع البذار، وهي تمنع على المنتجين إنتاج البذار الخاص بهم، وتفرض أن يشتروها سنوياً منها. فقبل أعوام لم ينتج القطن المعدّل، المردود المتوقع في الهند، ولم يستطع الزارعون شراء البذار، إذ بدا بعضه عقيماً، فهجّنوا بذاراً خاصاً وضاعفوا المساحات المزروعة قطناً من 100 ألف هكتار إلى 500 ألف بين 2003 و2004، لكنهم ما زالوا في دعاوى قضائية مع الشركة الأميركية. كذلك تحتكر الشركة، وهي متعددة الجنسيات، المبيدات الخاصة بهذه الزراعات، فالبذار المعدّل يقاوم الأعشاب الضارّة بنسبة 71 %، والحشرات الضارة بنسبة 18 %، والأعشاب والحشرات معاً بنسبة 11 %.
وبغض النظر عن إنتاجية البذار المعدّل جينياً، فإن بلداناً تخشى تأثيره على الصحة، بخاصّة أن «مونسانتو» هي منتجة الغاز البرتقالي السام الذي استخدمته الولايات المتحدة في فيتنام، وهي التي استخدمت مبيداً زراعيًا لغابات الكولا في كولومبيا أدى إلى إصابات بين الناس، ولا يمكن الركون إلى منتجاتها المعدّلة جينياً، من دون حذر.
فهل استحدثت أميركا أزمة الغذاء أيضاً، لتتحكم به عالمياً، أم لتسويق منتجات شركاتها؟
(نقلا عن در الحياة)
وتطرح الأزمة الوسائل الممكنة لتوفير الغذاء. فنجاح الإنتاج الزراعي يرتبط بعوامل عدّة، لعلّ أهمها ملاءمة الظروف المناخية، وهذه بدّلت اتجاهاتها وصارت خاضعة لعوامل انبعاثات غازات الدفيئة، التي تسبّبت باضطراباتٍ مناخية متطرفة لناحية غزارة الأمطار أو لناحية احتباسها، فتحوّلت الهطولات إلى فيضانات وفصول الاحتباس إلى قيظٍ شديد، وفي الحالين لا يتلاءم المناخ مع الزراعات المعتمدة حالياً. يُضاف إلى هذه العوامل، استخدام التقنيات الزراعية القادرة على توفير الحجم الكافي من المحاصيل، وفي مقدمها الحبوب الأساسية.
وقدّرت المنظمات العالمية بـ 2.7 % سنوياً، معدّل النمو الزراعي الضروري للتغلب على الفقر، ويساعد في تنفيذ برنامج الألفية الثالثة للحد من عدد الجياع، آخذةً في الاعتبار النمو السكاني العالمي. وفات المنظمات احتمال تردي الإنتاج الزراعي، أو تحسّن الطلب على الغذاء، تلازماً مع الفورة الاقتصادية التي شهدتها الدول الناشئة، ما أخل في موازين العرض والطلب، أو موازين الإنتاج الزراعي، واستهلاكه.
إبّان الأزمات الزراعية في القرن العشرين، واجه المجتمع الدولي معضلة توفير الغذاء، سيّما بعد حربين عالميتين، تسببتا بإهمال الأراضي، وإتلاف بعضها أو تحويلها مواقع للمعارك والاحتلال العسكري. وكان أن استخدمت الأسمدة الكيماوية بدل الأسمدة العضوية، بهدف تحسين خصوبة التربة وتاليًا زيادة إنتاجية المساحات المزروعة. غير أن تكثيف استخدام هذه الأسمدة، وإنتاج أنواعٍ غير مطابقة لمعايير السلامة العامة، أدى إلى إنتاجٍ زراعي مخالف لأبسط قواعد الغذاء السليم، لا سيّما أنّه تلازم مع إنتاج مخصّباتٍ واستعمال هرموناتٍ حيوانية لإنتاج نباتي.
واستكملت الثورة الزراعية الجديدة، بتكثيف الأبحاث، واستنباط أنواع جديدة من الشتول والأغراس والبذار، تتلاءم مع المناخات والتربة الخاصّة بالأقاليم في مناطق العالم، ويندر أن يخلو بلدٌ من مركز أبحاثٍ زراعية، يهدف إلى توفير إنتاجٍ أكبر ونوعية أفضل، وتخفيف أعباء الإنتاج. واستفادت الزراعة من الثورة الصناعية وتقدمها عبر الزمن، في انعطافاتٍ تاريخية، حتى أنها استعانت بالنظم المعلوماتية في الزرع والإنتاج، بعدما استخدمت في المكننة في مجالات عدة. وبلغت استفادتها من العلوم الصناعية والهندسية والطبية حد اللجوء إلى التكنولوجيا الإحيائية، مستفيدةً من علم الجينات، لتحدث تحويلاً جينيًا في بذور أكثر الزراعات الأساسية للغذاء. فنشأت زراعة البذور المعدّلة جينياً، والتي تسببت بمواقف خلافية بين دول العالم، فأنكرتَ مؤسسات بحوث علمية جدواها الاقتصادية، وعابت أخرى عليها ادعاءها أنها تزيد الإنتاج أو تقلّص الأعباء.
ويزرع العالم اليوم نحو 115 مليون هكتار زراعات معدّلة جينياً، تشكل نحو 7.7 % من إجمالي المساحات المزروعة في العالم وتبلغ 1.5 مليار هكتار. وتتركز هذه الزراعات على الحبوب والقطن، في مقدمها الذرة، الرز، الكولزا، الصويا، الكانول، القطن، البطاطا والبندورة. وعدلت أغراس أشجارٍ جينياً أيضاً مثل الصفصاف. ويعمل في هذه الزراعة 12 مليون منتج، في 23 بلداً، منها 12 بلداً متقدماً و11 بلداً نامياً، ويوجد 90 % من المنتجين في الدول النامية وتشمل بلداناً ناشئة، في حين أن 97 % من المساحات المزروعة موجودة في الدول المتقدمة، ما يشير إلى خلل في الاستفادة من هذه الزراعة، بين البلدان الصناعية المتقدمة والبلدان النامية والناشئة، التي لم تعرف أن تستفيد من الزراعة المعدّلة جينياً كما يرَوَّجُ لها.
وبالقياس الاقتصادي، قدّرت قيمة هذه الزراعة بـ 6.9 مليار دولار في 2007، تشكل 16 % من السوق العالمية لحماية الزراعات البالغة 42.1 مليار دولار، و20 % من سوق البذار وقيمته 34 ملياراً. ويشكل نصيب الدول الصناعية منها 5.2 مليار والدول النامية 1.6 مليار. ويقدّر الموسم لهذه السنة بـ 7.5 مليار دولار. وتتوزّع المساحات (بالنسب المئوية)، الولايات المتحدة 51، الأرجنتين 17، البرازيل 13، كندا 6، الهند 5، الصين2 وباراغواي 2، ما يجمع 89 % في القارة الأميركية. وتستخدم 8 بلدان من 27 عضواً في الاتحاد الأوروبي 100 ألف هكتار فقط في الزراعة المعدّلة جينيًا.
يُصاحب الدعوة إلى اعتماد الزراعات المعدّلة جينياً، ترويجٌ إلى أن إنتاجية المساحة للزراعات المعدّلة جينياً، هي أعلى من إنتاجيتها للبذار غير المعدّل، وأن الأعباء المرتفعة لشراء البذار المعدّل، تقابلها مقاومته للأعشاب الضارة وللحشرات، فيُستغني عن المبيدات، وأن الإنتاج الزراعي المعدّل، سليم كما تروّج له منظمة الغذاء والصحة الأميركية.
لكن شركة وحيدة، هي شركة «مونسانتو» الأميركية، تحتكر بين 70و 100 % من أنواع البذار المعدّل جينياً، وتستطيع الولايات المتحدة، من خلالها، أن تتحكم في الزراعات العالمية وإنتاجها. فالشركة حصلت على براءات لكل نوعٍ من أنواع البذار، وهي تمنع على المنتجين إنتاج البذار الخاص بهم، وتفرض أن يشتروها سنوياً منها. فقبل أعوام لم ينتج القطن المعدّل، المردود المتوقع في الهند، ولم يستطع الزارعون شراء البذار، إذ بدا بعضه عقيماً، فهجّنوا بذاراً خاصاً وضاعفوا المساحات المزروعة قطناً من 100 ألف هكتار إلى 500 ألف بين 2003 و2004، لكنهم ما زالوا في دعاوى قضائية مع الشركة الأميركية. كذلك تحتكر الشركة، وهي متعددة الجنسيات، المبيدات الخاصة بهذه الزراعات، فالبذار المعدّل يقاوم الأعشاب الضارّة بنسبة 71 %، والحشرات الضارة بنسبة 18 %، والأعشاب والحشرات معاً بنسبة 11 %.
وبغض النظر عن إنتاجية البذار المعدّل جينياً، فإن بلداناً تخشى تأثيره على الصحة، بخاصّة أن «مونسانتو» هي منتجة الغاز البرتقالي السام الذي استخدمته الولايات المتحدة في فيتنام، وهي التي استخدمت مبيداً زراعيًا لغابات الكولا في كولومبيا أدى إلى إصابات بين الناس، ولا يمكن الركون إلى منتجاتها المعدّلة جينياً، من دون حذر.
فهل استحدثت أميركا أزمة الغذاء أيضاً، لتتحكم به عالمياً، أم لتسويق منتجات شركاتها؟
(نقلا عن در الحياة)