PURE SOUL
05-18-2008, 06:50 AM
تعتبر القرارات الخاصة بوضع العملة الوطنية في علاقتها بالعملات الدولية الأخرى واستقرار أسعار صرفها للمحافظة على قوتها الشرائية، قضية حيوية في إطار السياسة الكلية، فالعملة هي أحد رموز السيادة الوطنية، وبالتالي فإن كل ما يتعلق من أمور تؤثر في وضعها، مسألة تأتي إدارتها حصراً بيد السلطات النقدية في الدولة . واستقرار هذه العلاقة يشكل معياراً اساسياً لديمومة الربط بين العملة الوطنية وعملة أخرى، افتراضاً لمصلحة الطرفين .
واستثناء من الاعتبارات السياسية، فإن استمرارية الربط يتحكم بها اساساً عاملان: الأول الوزن النسبي للعملات التي تعتمد الربط في الاقتصاد الدولي . وهذا معيار يعتمد بدوره على موقع اقتصاد الدولة ووزنه عالمياً . والثاني، الظروف الاقتصادية ومستوى الفعالية السائدة في كلا البلدين من حيث التماثل أو التباين، والتي تؤثر بشكل حاسم في استقرار عملاتها، فمن حيث الربط بين عملتين، فإنه عادة لا يحصل بينهما إذا كانت أهميتها النسبية في مستوى متقارب على صعيد التعامل الدولي . ولهذا فإن الربط يأتي غالباً بين عملة احتياطية دولية رائدة وأخرى أقل موقعاً تتشبث بها بهدف محاولة ضمان استقرارها . أما فيما يتعلق بالظروف الاقتصادية السائدة في كلا البلدين، فالمنطق والواقعية يفرضان الأولوية لمتطلبات الحالة الاقتصادية القائمة في دولة العملة الرائدة بحكم موقعها وأهميتها . وبالنسبة للعلاقة بين الدولار والعملات الخليجية فإن الصورة تبدو جلية: إن حركة هذه العملات تتبع حركة الدولار، وإن الظرف الاقتصادي الأمريكي هو الذي يتحكم بالمسار في معرض تقرير الآثار المترتبة على الربط . وهذه هي الحالة السائدة في الظروف الراهنة .
من المقتضيات الأساسية الاقتصادية الكلية، والمتمثلة خصوصا بالسياستين النقدية والمالية، ان تحركها يكون فاعلاً إذا جاء معاكساً لوضع واتجاه "الدورة التجارية" للفعالية الاقتصادية . فهي تأتي "متشددة" إذا كانت الفعالية في مستوى مرتفع يهدد ببروز الضغوط التضخمية، وتتحول إلى سياسة "سهلة" إذا اتجهت الفعالية الاقتصادية نحو الانكماش المهدد بحصول الركود الاقتصادي .
ما اتخذته هاتان السياستان في أمريكا من اجراءات أخيراً، وآخرها تخفيض "معدل الخصم" للفائدة بنسبة 75 .0% من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي بعد سلسلة من تخفيضات متتالية، إنما يأتي منسجماً تماماً مع الظروف الراهنة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي .
ودفعت التطورات العسكرية والاقتصادية بالسياسة المالية إلى زيادة إنفاقها من الموازنة العامة بقيمة 150 مليار دولار، إضافة إلى قرار تخفيض محسوس في الضرائب على قطاع الأعمال . أما السياسة النقدية، فقرارها بتخفيض معدل الخصم (وهو معدل الفائدة قصير الأجل الذي يفرضه البنك الاتحادي الفيدرالي على المصارف التجارية حينما تأتي للاقتراض منه) إنما يأتي منسجماً مع فعل السياسة المالية، وكلتا السياستين تستهدف تعظيم الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي وبالتالي رفع مستوى الطلب الكلي ومعدلات النمو للاقتصاد الأمريكي المتدهور الفعالية حالياً . وفي المقابل، تواجه اقتصادات الاقطار الخليجية ظرفاً يختلف تماماً عن وضع الاقتصاد الأمريكي، فهي تعيش حالة تسود فيها الظروف التضخمية الناتجة عن تعاظم الإنفاق الحكومي الاستثماري والاستهلاكي .
هذا التناقض بين الأوضاع الاقتصادية الخليجية والاقتصاد الأمريكي انعكس في موجة من حوار واسع وجدال كثيف حول طبيعة القرار الذي ينبغي على السلطات النقدية اتخاذه تجاه استمرار عملية الربط مع الدولار . الآراء جاءت متباينة بين دعوة إلى الحاجة إلى التعويم بهدف التخفيف من حدة الضغوط التضخمية وآثارها السلبية في النمو الاقتصادي (وهذا هو موقف صندوق النقد الدولي وآلان جرينسبان المحافظ السابق للبنك الاتحادي الفيدرالي)، يقابلها دعوة إلى التريث والإبقاء على استمرارية آلية الربط.
واتخذت معظم السلطات النقدية في الأقطار الخليجية قرارها الذي انصب على المحافظة على استمرارية الربط بين عملاتها والدولار . ومما لا شك فيه ان اتخاذ هذا القرار من قبل السلطات النقدية مسألة تتعلق مباشرة بمبدأ ممارسة حق السيادة . ولكن اتخاذ هذا القرار المماثل في الوقت نفسه يجسد حيوية "الشروط الفنية الذاتية" في تأثيرها الحاسم في قرار المحاكاة . والآن، التساؤل الجوهري الذي يرد هنا هو: لماذا قررت السلطات النقدية في الأقطار الخليجية التريث في التغيير والإبقاء على الربط؟
الجواب المباشر عن هذا التساؤل ينبع من كون ان معظم الأقطار الخليجية، وبسبب سنوات متواصلة من الاعتماد على آلية الربط بين عملاتها والدولار، "اطمأنت" للآليات البسيطة والسهلة لهذا الربط، الأمر الذي انعكس سلباً على إضعاف فاعلية التعامل مع أدوات السياسة النقدية والائتمانية وبالتالي تجميد حركتها في صورة شبه كلية . ونتيجة لذلك، فإن السلطات النقدية اذا كانت تدرك مدى الآثار السلبية التي يفرضها مبدأ الربط في اقتصاداتها (وهو ظرف لا شك في وجوده)، إلا ان القدرات الفنية الذاتية لبنوكها المركزية ومحدودية خبرتها الفنية في التعامل مع نتائج فك الارتباط، تشكل العامل الأساسي في دفعها نحو الاستمرار في الربط والإحجام عن تغييره للفترة الراهنة . كما ان اتخاذ قرار في الاتجاه المغاير، للتعويم مثلاً، لن يقتصر على مجرد تغيير العلاقة بين عملاتها والدولار فحسب، إنما من شأنه ان يفتح الآفاق واسعة لمواجهة مباشرة للقدرات الفنية لهذه البنوك في فاعلية التعامل مع التغيرات الاقتصادية بكل جوانب تعقيداتها وتشابكاتها .
إن استمرارية الضغوط التضخمية في الاقتصادات الخليجية والمعالجات التي اعتمدت لمواجهتها تؤكد هذا الاستنتاج بصورة جلية، فمحدودية فاعلية السياستين النقدية والمالية وضيق خياراتها، فرضا على حركة السياسة الكلية ان تقتصر في ظرف الأزمة الراهنة على إجراءات تتدخل مباشرة في آلية السوق ولا تتناغم معها، كما كان يمكن ان يكون الحال لو كانت أدوات سياستها النقدية والمالية فاعلة، فأهم هذه الإجراءات اتخذ شكل بيع السلع الغذائية بأسعار التكلفة، وفرض سقوف على معدلات زيادة الإيجارات العقارية سنوياً، او تجميدها، وزيادة الاستيرادات من المواد الغذائية وتنويع مصادرها، وغيرها .
لكن، رب ضارة نافعة، فالظرف الاقتصادي الراهن وحراجة تطوراته لابد أن يحفزا على البحث عن أسباب محدودية قدرات السياسة النقدية والائتمانية (والمالية ايضاً) . هذا الوضع بدوره يدفع إلى التساؤل المباشر عما ينبغي فعله لتمكين السياسات الكلية للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية ضماناً لاستقرار فعاليتها، ومن بعده استقرار عملاتها . والمطلوب اعتماد كافة الوسائل التي تحقق الفاعلية والمرونة لهذه السياسات وبأسرع وقت ممكن . هذا المطلب يمكن تفعيله بالاستعانة بالخبراء والمؤسسات المحلية والدولية المتخصصة، فالهدف هو الارتقاء بالمستويات الفنية وقدراتها على هذا الصعيد لكي تكون مهيأة دوماً للتعامل بفاعلية وكفاءة مع تطورات الظروف الاقتصادية عموماً، والنقدية خصوصاً بما فيها قضية الربط .
الصيرفة المركزية فن، والفنان يحتاج إلى الإبداع والخلق لممارسته المهنية لكي يشحذ مهارته . وهكذا الأمر فيما يتعلق بالسياسة النقدية خصوصا . فالقدرات الذاتية في ممارستها يجب ان تبنى، وان هذا البناء هو الذي سيرتقي إلى مستوى قدرات وآفاق اقتصاداتها الرحيبة ويعزز مرتكزات قراراتها حينما يحين الظرف الملائم لاتخاذها .
* نقلا عن جريدة "الخليج" الإماراتية
واستثناء من الاعتبارات السياسية، فإن استمرارية الربط يتحكم بها اساساً عاملان: الأول الوزن النسبي للعملات التي تعتمد الربط في الاقتصاد الدولي . وهذا معيار يعتمد بدوره على موقع اقتصاد الدولة ووزنه عالمياً . والثاني، الظروف الاقتصادية ومستوى الفعالية السائدة في كلا البلدين من حيث التماثل أو التباين، والتي تؤثر بشكل حاسم في استقرار عملاتها، فمن حيث الربط بين عملتين، فإنه عادة لا يحصل بينهما إذا كانت أهميتها النسبية في مستوى متقارب على صعيد التعامل الدولي . ولهذا فإن الربط يأتي غالباً بين عملة احتياطية دولية رائدة وأخرى أقل موقعاً تتشبث بها بهدف محاولة ضمان استقرارها . أما فيما يتعلق بالظروف الاقتصادية السائدة في كلا البلدين، فالمنطق والواقعية يفرضان الأولوية لمتطلبات الحالة الاقتصادية القائمة في دولة العملة الرائدة بحكم موقعها وأهميتها . وبالنسبة للعلاقة بين الدولار والعملات الخليجية فإن الصورة تبدو جلية: إن حركة هذه العملات تتبع حركة الدولار، وإن الظرف الاقتصادي الأمريكي هو الذي يتحكم بالمسار في معرض تقرير الآثار المترتبة على الربط . وهذه هي الحالة السائدة في الظروف الراهنة .
من المقتضيات الأساسية الاقتصادية الكلية، والمتمثلة خصوصا بالسياستين النقدية والمالية، ان تحركها يكون فاعلاً إذا جاء معاكساً لوضع واتجاه "الدورة التجارية" للفعالية الاقتصادية . فهي تأتي "متشددة" إذا كانت الفعالية في مستوى مرتفع يهدد ببروز الضغوط التضخمية، وتتحول إلى سياسة "سهلة" إذا اتجهت الفعالية الاقتصادية نحو الانكماش المهدد بحصول الركود الاقتصادي .
ما اتخذته هاتان السياستان في أمريكا من اجراءات أخيراً، وآخرها تخفيض "معدل الخصم" للفائدة بنسبة 75 .0% من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي بعد سلسلة من تخفيضات متتالية، إنما يأتي منسجماً تماماً مع الظروف الراهنة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي .
ودفعت التطورات العسكرية والاقتصادية بالسياسة المالية إلى زيادة إنفاقها من الموازنة العامة بقيمة 150 مليار دولار، إضافة إلى قرار تخفيض محسوس في الضرائب على قطاع الأعمال . أما السياسة النقدية، فقرارها بتخفيض معدل الخصم (وهو معدل الفائدة قصير الأجل الذي يفرضه البنك الاتحادي الفيدرالي على المصارف التجارية حينما تأتي للاقتراض منه) إنما يأتي منسجماً مع فعل السياسة المالية، وكلتا السياستين تستهدف تعظيم الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي وبالتالي رفع مستوى الطلب الكلي ومعدلات النمو للاقتصاد الأمريكي المتدهور الفعالية حالياً . وفي المقابل، تواجه اقتصادات الاقطار الخليجية ظرفاً يختلف تماماً عن وضع الاقتصاد الأمريكي، فهي تعيش حالة تسود فيها الظروف التضخمية الناتجة عن تعاظم الإنفاق الحكومي الاستثماري والاستهلاكي .
هذا التناقض بين الأوضاع الاقتصادية الخليجية والاقتصاد الأمريكي انعكس في موجة من حوار واسع وجدال كثيف حول طبيعة القرار الذي ينبغي على السلطات النقدية اتخاذه تجاه استمرار عملية الربط مع الدولار . الآراء جاءت متباينة بين دعوة إلى الحاجة إلى التعويم بهدف التخفيف من حدة الضغوط التضخمية وآثارها السلبية في النمو الاقتصادي (وهذا هو موقف صندوق النقد الدولي وآلان جرينسبان المحافظ السابق للبنك الاتحادي الفيدرالي)، يقابلها دعوة إلى التريث والإبقاء على استمرارية آلية الربط.
واتخذت معظم السلطات النقدية في الأقطار الخليجية قرارها الذي انصب على المحافظة على استمرارية الربط بين عملاتها والدولار . ومما لا شك فيه ان اتخاذ هذا القرار من قبل السلطات النقدية مسألة تتعلق مباشرة بمبدأ ممارسة حق السيادة . ولكن اتخاذ هذا القرار المماثل في الوقت نفسه يجسد حيوية "الشروط الفنية الذاتية" في تأثيرها الحاسم في قرار المحاكاة . والآن، التساؤل الجوهري الذي يرد هنا هو: لماذا قررت السلطات النقدية في الأقطار الخليجية التريث في التغيير والإبقاء على الربط؟
الجواب المباشر عن هذا التساؤل ينبع من كون ان معظم الأقطار الخليجية، وبسبب سنوات متواصلة من الاعتماد على آلية الربط بين عملاتها والدولار، "اطمأنت" للآليات البسيطة والسهلة لهذا الربط، الأمر الذي انعكس سلباً على إضعاف فاعلية التعامل مع أدوات السياسة النقدية والائتمانية وبالتالي تجميد حركتها في صورة شبه كلية . ونتيجة لذلك، فإن السلطات النقدية اذا كانت تدرك مدى الآثار السلبية التي يفرضها مبدأ الربط في اقتصاداتها (وهو ظرف لا شك في وجوده)، إلا ان القدرات الفنية الذاتية لبنوكها المركزية ومحدودية خبرتها الفنية في التعامل مع نتائج فك الارتباط، تشكل العامل الأساسي في دفعها نحو الاستمرار في الربط والإحجام عن تغييره للفترة الراهنة . كما ان اتخاذ قرار في الاتجاه المغاير، للتعويم مثلاً، لن يقتصر على مجرد تغيير العلاقة بين عملاتها والدولار فحسب، إنما من شأنه ان يفتح الآفاق واسعة لمواجهة مباشرة للقدرات الفنية لهذه البنوك في فاعلية التعامل مع التغيرات الاقتصادية بكل جوانب تعقيداتها وتشابكاتها .
إن استمرارية الضغوط التضخمية في الاقتصادات الخليجية والمعالجات التي اعتمدت لمواجهتها تؤكد هذا الاستنتاج بصورة جلية، فمحدودية فاعلية السياستين النقدية والمالية وضيق خياراتها، فرضا على حركة السياسة الكلية ان تقتصر في ظرف الأزمة الراهنة على إجراءات تتدخل مباشرة في آلية السوق ولا تتناغم معها، كما كان يمكن ان يكون الحال لو كانت أدوات سياستها النقدية والمالية فاعلة، فأهم هذه الإجراءات اتخذ شكل بيع السلع الغذائية بأسعار التكلفة، وفرض سقوف على معدلات زيادة الإيجارات العقارية سنوياً، او تجميدها، وزيادة الاستيرادات من المواد الغذائية وتنويع مصادرها، وغيرها .
لكن، رب ضارة نافعة، فالظرف الاقتصادي الراهن وحراجة تطوراته لابد أن يحفزا على البحث عن أسباب محدودية قدرات السياسة النقدية والائتمانية (والمالية ايضاً) . هذا الوضع بدوره يدفع إلى التساؤل المباشر عما ينبغي فعله لتمكين السياسات الكلية للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية ضماناً لاستقرار فعاليتها، ومن بعده استقرار عملاتها . والمطلوب اعتماد كافة الوسائل التي تحقق الفاعلية والمرونة لهذه السياسات وبأسرع وقت ممكن . هذا المطلب يمكن تفعيله بالاستعانة بالخبراء والمؤسسات المحلية والدولية المتخصصة، فالهدف هو الارتقاء بالمستويات الفنية وقدراتها على هذا الصعيد لكي تكون مهيأة دوماً للتعامل بفاعلية وكفاءة مع تطورات الظروف الاقتصادية عموماً، والنقدية خصوصاً بما فيها قضية الربط .
الصيرفة المركزية فن، والفنان يحتاج إلى الإبداع والخلق لممارسته المهنية لكي يشحذ مهارته . وهكذا الأمر فيما يتعلق بالسياسة النقدية خصوصا . فالقدرات الذاتية في ممارستها يجب ان تبنى، وان هذا البناء هو الذي سيرتقي إلى مستوى قدرات وآفاق اقتصاداتها الرحيبة ويعزز مرتكزات قراراتها حينما يحين الظرف الملائم لاتخاذها .
* نقلا عن جريدة "الخليج" الإماراتية