المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لقد تغيرت قواعد اللعبة



PURE SOUL
06-20-2010, 09:18 AM
عندما انفجرت الأزمة المالية العالمية في صيف عام 2008 من داخل معقل أقوى اقتصاد في العالم الولايات المتحدة اعتقد الكثير من الخبراء والمحللين أن تداعياتها الكارثية سوف تكون أشد قسوة على شعوب البلدان النامية منها على الاقتصادات المتقدمة

ليقينهم بأن البنية التحتية المتطورة والشبكة المالية الهائلة التي كونها الغرب منذ فجر الثورة الصناعية ستمكنه كما في كل المرات السابقة التي تعرض فيها لهزات وأزمات عاصفة من تجاوز محنته خلال بضع سنوات والعودة مجدداً بأقل الخسائر الممكنة لأن دول العالم الأخرى تدفع فاتورة كل الأزمات المالية والاقتصادية التي عصفت بالغرب منذ مطلع القرن العشرين. هل تغيرت قواعد اللعبة إلى الحد الذي أحدث قطيعة بين الآليات التي اعتمدها الغرب في إحكام سيطرته على الثروات العالمية, والمتغيرات الجوهرية التي أحدثتها العولمة الجائرة, فأفقدته زمام المبادرة وجعلته يقف عاجزاً لأول مرة في تاريخه عن تضميد جراحه النازفة في أكثر من مكان تمهيداً للعودة على رأس القيادة الأحادية القطب للعالم؟ أجل لقد تغيرت قواعد اللعبة حتى قبل أن تنفجر الأزمة المالية العالمية بسنوات. من منا لم يقرأ كتاب توماس فريدمان "العالم مسطح: تاريخ موجز للقرن الحادي والعشرين" الذي حدد فيه البداية الحقيقية لتسطح الأرض واستوائها وتحول مراكز القوى بحكم تحول وتغير مصادر المنتجات من الشركات الكبرى العابرة للقارات إلى الأفراد وهي النتيجة الطبيعية لمرحلة ما بعد الرأسمالية الصناعية التي تميزت بتصاعد نفوذ أسواق المال ورجال الأعمال (الأفراد) على حساب كل القيم الإنتاجية والثقافية والأخلاقية السائدة. لقد ميز فريدمان بدقة وبراعة تحليلية أهم ملامح القرن الحادي والعشرين الذي أطلق عليه المحافظون الجدد اسم "القرن الأمريكي" وقسم مراحل تطور العولمة إلى ثلاث محطات فاصلة في مسيرتها. وهو وإن كان موفقاً جداً في توصيف تلك المسيرة وخصوصاً منها المرحلة الأخيرة إلا أنه لم يكن يتوقع أن تكون بداية النهاية للقرن الأمريكي على هذا الوجه من السرعة واختزاله إلى عشر سنوات فقط. تبدأ المرحلة الأولى من العولمة منذ تاريخ اكتشاف البحار كولومبس للقارة الأمريكية عام 1492 وتمتد حسب توصيفه إلى عام 1800. أما رواد تلك المرحلة فهم الدول الاستعمارية الأوروبية التي تقاسمت ثروات الأرض فيما بينها وحولت العالم من حجم كبير إلى متوسط. المرحلة الثانية فتمتد من عام 1820 حتى نهاية القرن العشرين وهي التي تحول فيها رواد العولمة من دول استعمارية محتلة للبلدان الأخرى إلى شركات كبرى محتكرة للأسواق والعمالة ورؤوس الأموال وفيها تحول العالم من حجم وسط إلى حجم صغير. أما المرحلة الثالثة التي تبدأ من عام 2000 فيرى أنها شهدت أهم تحول في مسار العولمة من الشركات العابرة للقارات إلى الأفراد الذين يسيطرون على اسواق المال العالمية الكبرى وبذلك انتقل العالم بشكل متسارع من الحجم الصغير إلى أحجام لا متناهية في الصغر ليصير كل شيء متساوياً ومتشابهاً ومتقارباً تتمحور فيه القيم العليا للأمة حول الأفراد (رجال الأعمال) وليس حول الدول, وأضحى بموجب هذه المتغيرات المتسارعة الفاعل الديناميكي هو الإنسان الفرد (رجل الأعمال) المحاط بجماعة تؤيده وتدافع عن أفكاره ومشاريعه في الأوساط الفكرية والعلمية وبالقرب من مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي. الفرق الجوهري بين الليبرالية القصوى التي تبناها الغرب منذ سبعينيات القرن الماضي كنهج اقتصادي ومالي وحاول فرضها على العالم برمته على وقع العولمة ومنظمة التجارة العالمية وهيمنته على الشبكة المصرفية العالمية وحركة رؤوس الأموال وبين اقتصادات الدول النامية, أن الأولى تآكل فيها دور الدولة كضامن لحقوق الطبقة الوسطى والعاملة (الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي) لحساب حفنة ضئيلة تقدر بـ5% من المجتمع الأمريكي من رجال الأعمال وأصحاب المصارف الكبرى الذين يستأثرون بنسبة 80% من الثروة القومية للولايات المتحدة في حين أن دورة الاقتصاد البطيئة في الدول النامية عززت من مكانة ودور الدولة فيها كضامن لحقوق الطبقات الوسطى والعاملة لديها. لهذا رأينا بعد مرور سنتين من تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أن تداعياتها الأعنف ما تزال تدور وتتفاقم في المركز الذي انطلقت منه لأن الدولة هناك فقدت عملياً شرعية رقابتها على الأسواق المالية التي حرمت نفسها من حق تصويبها بقوانين هي من أصدرها بنفسها خلال العقود المنصرمة من الازدهار والانتعاش الاقتصادي.‏

الجماهير