المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم الاقتصاد.. من المنزل أولاً!



yasser
10-20-2010, 04:28 PM
علم الاقتصاد.. من المنزل أولاً!



تشرين الاقتصادي

قد يتساءل البعض عن طبيعة علم الاقتصاد،هل هو علم فلسفي يحاكي الفكر؟ أم رياضي يحاكي المنطق؟ أم هو علم سياسي يفرض آلية عامة للتعامل بين طبقات المجتمع بدءاً من رأس الهرم وانتهاءً بقاعدته، أي (السوق المستهلك) بلغة الاقتصاد؟ وخاصة بعد أن أثبت هذا العلم حضوراً قوياً في العقود الماضية على الصعيد العالمي كعلم غيّر تاريخ وترتيب شعوب بأكملها..
ولكن هل ربط أحدهم بشكل مباشر مفهوم علم الاقتصاد بكل ما يحتويه من فروع وأصول بكلمة منزل؟؟؟ ‏
في الواقع بدأ استخدام كلمة اقتصاد Economics في العصر اليوناني القديم من قبل الفيلسوف (أرسطو) لتشير إلى ما معناه (التدبير المنزلي) أو (الطريقة الحكيمة التي يمكن أن يتبعها رب الأسرة لتحقيق أفضل استخدام لدخله المحدود!) وهذه الكلمة مشتقة بالأصل من الكلمتين اليونانيتين Oikos أي المنزل وNomos وتعني القانون. ‏
ثم شاعت فيما بعد مصطلحات عديدة منها (الاقتصاد السياسي) في العام 1615 حينما اتخذ منه الكاتب الفرنسي (De Montecherin) عنواناً لكتاب نشره آنذاك، علماً أن كلمة سياسي لم يكن لها ذلك المعنى الذي يتصل مباشرة بعلم السياسة، حيث إن الكلمة اليونانية Politicos تعني اجتماعي. ‏
وقد وجد علماء الاقتصاد على مر العصور صعوبة في وضع تعريف محدد ومكتمل لعلم الاقتصاد، بسبب تشعب مواضيعه وتنوع مجالاته. ‏
إلا أنه رغم كثرة التعاريف وتعددها، فهي لم تخرج عن الإطار الذي يعد النشاط الاقتصادي: »هو العقلنة وتعظيم إشباع الحاجات المادية وغير المادية«. ‏
أو »هو صراع ضد الندرة النسبية للموارد الاقتصادية«. ‏
وعموماً صُنفت تعاريف علم الاقتصاد بحسب الزاوية التي يُنظر منها إلى موضوع هذا العلم. فنرى تعاريف تنظر إليه من منظور أنه علم يبحث في /الغاية/ من النشاط الاقتصادي والتي هي لدى البعض إشباع الحاجات المادية ولدى البعض الآخر تكوين الثروات واستهلاكها. والتعريف النموذجي هنا للاقتصادي (آدم سميث) وهو التعريف الأقدم لعلم الاقتصاد في كتابه (ثروة الأمم) عام 1776 حيث عرَفه على أنه: ‏
»العلم الذي يهتم بدراسة الوسائل التي يمكن أن تزيد من ثروة الأمم« ‏
ونرى تعاريف تنظر إليه على أنه علم يبحث /بالوسيلة/ والتي هي المبادلة كما يرى الاقتصادي الفرنسي (بيرو) حيث إن المبادلة هي صلة الوصل بين إنتاج الثروات وإشباع الحاجات.ويندرج ضمن هذا الإطار التعريف الذي قدمه (ألفريد مارشال) في كتابه (مبادئ الاقتصاد) المنشور عام 1890 حيث يقول: »إن علم الاقتصاد هو دراسة للإنسان في أعماله التجارية اليومية، يتناول ذلك الجزء المتعلق بالنشاط الاجتماعي المتصل بكيفية حصوله على الدخل ومجال توزيعه«. ‏
أما التعاريف الأكثر شمولية هي التي نظرت إليه على أنه علم يوائم بين الوسائل والغايات. وهنا يعرفه الاقتصادي الإنجليزي (روبرت) على أنه: »علم يدرس نشاط الإنسان الناجم عن ندرة الوسائل التي تضعها الطبيعة تحت تصرف البشر لتحقيق الغايات التي يسعون إليها«. ‏
وانطلاقاً من تلك المفاهيم اعتمد الكثير من علماء الاقتصاد الحديث التعريف الأكثر دقة وشمولية لعلم الاقتصاد ألا وهو: »العلم الذي يعنى بدراسة النشاط الواقعي للأفراد والجماعات في سعيهم المستمر لإشباع حاجاتهم المتعددة والمتزايدة والمتجددة من خلال استخدام مواردهم النادرة ووسائلهم المحدودة«. ‏
وفي نظرة إلى الواقع الحديث للاقتصاد العالمي، لم تعد المجتمعات في العصر الحالي تنظر إلى القوانين والنظريات الاقتصادية على أنها حتمية يجب الاستسلام لها، وبالتالي لم تعد مهام علم الاقتصاد تقتصر على ملاحظة الوقائع الاقتصادية وتحليلها لاستنباط القوانين والعلاقات التي تحكمها، بل تغيرت هذه النظرة فتطورت أدواتها وسياستها الاقتصادية والمالية والتي من خلالها أمكن التأثير على الوقائع الاقتصادية نفسها بهدف تغيير اتجاهها أو تعديلها أو التخفيف من حدة تأثيرها، وبالتالي لم يعد يقتصر دور علم الاقتصاد على الملاحظة السلبية الحيادية في رصد الوقائع، بل صار يدرس هذه الوقائع ويحللها ويبحث عن السبل الكفيلة بالتأثير عليها وتوجيهها نحو الاتجاه المرغوب به. ‏
وعودة إلى رأي أرسطو في علم الاقتصاد على أنه علم /التدبير المنزلي/ في البدء، فالمنزل كان ومازال الخلية الأولى في المجتمع التي يعتمد عليها اعتمادا كلياً في عملية بنائه وتطويره. ومن الطبيعي جداً في هذه الفترات الاقتصادية العصيبة على أغلب (خلايا المجتمع!) وفي ظل الغلاء الدائم والمتكرر لكل ما هو ضروري أو كمالي، أن يكون (الاقتصاد في كل شيء!) هو السلعة الأكثر شعبية في الأسواق! لذا كان أرسطو محقاً وسباقاً بأمرين ثابتين منذ مئات السنين وحتى اليوم، أولهما مشكلة الدخل المحدود الأزلية لرب الأسرة!! والأهم أن علم الاقتصاد بدأ من المنزل أولاً.. ‏
. ‏